قواعد صاحب الملك: نحترم حدود البشر — ونتجرأ على التشكيك في حدود الله؟

قواعد صاحب الملك

لماذا نحترم حدود البشر — ونتجرأ على التشكيك في حدود الله؟

تأمل من ForOneCreator في الإيمان والعقل والتناقض الإنساني

 

المستأجر الذي يتساءل عن قواعد المالك — بينما يعيش مجاناً في بيتٍ لم يبنه، على أرضٍ لم يخلقها، يتنفس هواءً لم يصنعه — لا يتصرف بعقلانية. إنه يتصرف بغرور.

 

 

أولاً: السؤال الذي يبدأ منه كل شيء

تبدأ هذه التأملات بملاحظة بسيطة — بديهية لدرجة تكاد تكون محرجة — غير أنها تملك القدرة على إعادة صياغة كل ما نجادل فيه حول الدين والعلمانية والتسامح والشريعة الإلهية.

البشر حريصون على حماية حدودهم بشكل لافت. تشتعل الحروب بين الأمم على خطوط مرسومة على الخرائط. تتصدع الأسر بسبب النزاعات على الممتلكات. تُسيَّج الأماكن المقدسة في كل دين بعيداً عن الغرباء. ومع ذلك — حين يضع الله سبحانه وتعالى حداً في القرآن الكريم أو عبر نبيه ﷺ — يتحول هؤلاء البشر أنفسهم إلى فلاسفة شك، ومهندسي استثناءات، وأبطال إعادة التأويل.

هذا التناقض ليس مجرد تناقض فكري. إنه — عند فحصه بعناية — أحد أكثر الأعراض كشفاً لما يسميه القرآن الكريم المرض الجوهري في النفس البشرية.

 

 

ثانياً: التنوع بإرادة إلهية

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ — هود 11:118

اقرأ هذا بعناية. الله لا يندب التنوع البشري. إنه يُعلنه. إنه يقول: كان بإمكاني أن أجعل الجميع متشابهين — واخترت ألا أفعل ذلك.

هذا تصريح بالقصد الإلهي. الاختلاف في الإيمان والثقافة والفهم ليس عيباً في الخلق. إنه سمة فيه. وإذا كان سمة، فإن الاستجابة البشرية المناسبة ليست اجتثاثه أو قمعه أو التظاهر بأنه غير موجود. الاستجابة المناسبة هي الحكمة.

العلمانية هي أفضل محاولة أنتجها العقل البشري لإدارة هذا الاختلاف دون توجيه إلهي. وقد حققت بعض النتائج الحقيقية — لغة الحقوق، ومبدأ المساواة أمام القانون، ومبدأ عدم الإكراه. لكنها أيضاً كشفت إفلاسها أينما توفرت السلطة لتفسدها. ليس لها جذور روحية. لا تستطيع أن تصمد أمام النفس الإنسانية.

 

 

ثالثاً: حجة صاحب الملك — الإسهام المركزي

يضع الله سبحانه وتعالى الحدود بـ: معرفة كاملة بالطبيعة البشرية — لأنه خلقها. ومعرفة كاملة بالعواقب — المرئية وغير المرئية. ومعرفة كاملة بما يخدم الإنسانية عبر كل الأزمان. وحكمة الحكيم العليم.

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ — آل عمران 3:189

وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ — الحديد 57:7

كلمة مستخلفين هي المفتاح. أنت لست مالكاً. أنت خليفة — حارس مؤقت لشيء وُضع في عهدتك. لحظة انتهاء هذه الحياة، تعود الأمانة إلى مالكها الحقيقي. كل ما حميته ودافعت عنه ومُتَّ من أجله — يعود إلى الذي كان يملكه قبل أن تُوجد.

البشر الذين يعترضون على حكم إلهي يفعلون ذلك بـ: عقل لم يصمم نفسه، ومعرفة جزئية ومشروطة تاريخياً، وعمر لا يتجاوز عقوداً في أحسن الأحوال، وبلا إمكانية الوصول إلى العواقب خارج هذا العالم.

أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ — الملك 67:14

 

 

رابعاً: الرحمة المخفية في الحدود

الاعتراض على الحدود الإلهية يفترض في الغالب أنها موجودة لمصلحة الله — كما لو أن الأزلي الغني بذاته يحتاج إلى امتثال البشر ليشعر بالأمان. هذا سوء فهم جوهري لطبيعة التشريع الإلهي.

وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ — الأعراف 7:156

كل حد إلهي هو عمل من أعمال الرحمة — حتى وإن بدا قيداً. تحريم الخمر: وُضع لصحة الإنسان واستقرار الأسرة والنظام الاجتماعي. تحريم الربا: وُضع للعدالة الاقتصادية وكرامة الإنسان. حرمة المكان المقدس: وُضعت للحفاظ على المركز الروحي للإنسانية عبر الأجيال.

الوالد المحب يضع درابزيناً على الشرفة ليس لتقييد الطفل — بل لأن الوالد يرى الهاوية التي لا يراها الطفل. كل حد إلهي هو درابزين وضعه خالق يرى الجرف الذي لا يستطيع المسافر رؤيته. الاعتراض على الدرابزين ليس ذكاءً. إنه ثقة من لم ينظر بعد إلى ما تحته.

 

 

خامساً: المبدأ الجامع

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ — الإسراء 17:70

بني آدم — أبناء آدم. ليس بني المسلم. كل إنسان — مؤمن أو كافر أو مشرك أو ملحد — يحمل هذا الشرف الإلهي كحق فطري. هذا هو المبدأ الجامع. كل حكم يبدو أنه يخلق تراتبية يجب قراءته في ضوء هذا الإعلان التأسيسي.

الإسلام هو الوحيد الذي يقدم شيئاً لا تستطيع العلمانية مقارنته: سبباً لتكريم الآخر لا يعتمد على القانون أو الثقافة أو الحساب السياسي. سبب متجذر في التقوى: وجود الآخر جزء من تصميم الله. إيذاؤه بغير حق هو تخريب للخلق الإلهي. تكريمه عبادة.

ومعنى الإسلام نفسه يحمل الجواب: الاستسلام لله. ليس استسلاماً أعمى. ليس استسلاماً بلا فهم. بل الاستسلام الذي يأتي بعد الإدراك الحقيقي — الإدراك بأن مالك كل شيء أكثر أهلية لوضع القواعد من الحارس المؤقت الذي لا يملك شيئاً بشكل دائم ولا يفهم سوى جزء يسير مما هو موجود.

 

 

 

وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ

هود 11:88

 

آمِيْن

 

 

ForOneCreator | محتوى إسلامي تعليمي

ForOneCreator | قواعد صاحب الملك |

Leave a comment