ما الذي يستحق التقديس حقاً؟

ما الذي يستحق التقديس حقاً؟

حوارَان قرآنيَّان حول الكرامة الإنسانية والتنوع الإلهي

 

ForOneCreator | سلسلة تعليمية إسلامية

جلسة الأسئلة والأجوبة الأولى

المقدسات، وحياة الإنسان، وإشكالية التقديس

 

س١: يُقدِّس الناس في أنحاء العالم أشياءَ لا تُحصى — من أصنام وأنهار وحيوانات وقبور وعملات. هل هذه ظاهرة حديثة أم متجذِّرة في الطبيعة البشرية؟

إنها قديمة قِدَم الإنسانية ذاتها. الإنسان كائنٌ يبحث عن المعنى، والحقائق المجرَّدة كالإلهي والأبدي والمقدَّس يصعب استيعابها دون مرتكَز محسوس. لذا ربط البشر عبر التاريخ المقدَّسَ بأشياء يرونها ويلمسونها. وهذا ليس خاصًّا بالمجتمعات “البدائية”، إذ في الثقافة العلمانية الحديثة يُعظَّم العلم الوطني والتذكارات الشهيرة والعملات بحماسة شبه دينية. هذا الدافع إنساني عالمي، والفارق الوحيد هو الشيء المُختار والمجتمع الذي يختاره.

 

س٢: يتحدى القرآن الكريم عبادة الأصنام مباشرةً. ما الحجة المركزية في ذلك، وكيف تختلف عن مجرد القول “أصنامكم باطلة”؟

حجة القرآن أعمق بكثير من مجرد الرفض. يقول الله ﷻ على لسان إبراهيم ﷺ: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ (الصافات: ٩٥). المنطق وجودي: كل ما لا يسمع ولا يدفع عن نفسه ولا ينفع ولا يضر ولا يستجيب للدعاء — فهو مُعدَم من الألوهية بدليل العجز المُشاهَد، لا بمجرد الادعاء. حين كسر إبراهيم ﷺ الأصنام فعجزت عن الانتقام، كان ذلك برهانًا حيًّا. القرآن يقول في جوهره: اختبِر مقدَّسك، فإن أخفق في اختبار الفاعلية أخفق في اختبار الألوهية.

 

س٣: أبناء المجتمع الذي يُقدِّس البقرة يمارسون أحيانًا تجارتها أو ذبحها. كيف نفهم هذا التناقض؟

ليس نفاقًا بسيطًا، بل يعكس أن المعتقدات داخل أي مجتمع ديني كبير متفاوتة ومتطبِّقة. المتديِّن الريفي والتاجر الحضري، والملتزم والاسمي، يحملون اللافتة الدينية ذاتها لكنهم يعيشون معتقدات مختلفة جذريًّا. وهذا صحيح في كل تقليد، بما فيه الإسلام. كم من المسلمين يُعلنون قدسية الكعبة لكنهم يُهينون حياة أخيهم المسلم التي أعلن النبي ﷺ أن حرمتها أعظم من حرمة الكعبة؟

 

س٤: هل ثمة حديث حقًّا يقول إن حياة الإنسان أقدس من الكعبة؟ يبدو ذلك مفاجئًا.

نعم، وليس حديثًا واحدًا بل أحاديث عدة، كلها صحيحة. كان النبي ﷺ يطوف بالكعبة فقال: “ما أطيبكِ وأطيب ريحكِ، ما أعظمكِ وأعظم حرمتكِ! والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمةً منكِ، ماله ودمه.” وفي سنن ابن ماجه بسند صحيح: “لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ.” والعلماء مجمعون على ذلك، والمأساة أن هذه الأحاديث تُتلى في خطب الجمعة بينما يُراق دم المسلمين في تلك المدن ذاتها.

 

س٥: حين تتضرر المواقع المقدسة يثور الأتباع ويقتلون أحيانًا. كيف ينبغي أن نتعامل مع ذلك؟

بحقيقتين متزامنتين. ردُّ الفعل العاطفي مفهوم، فالمواقع المقدسة تحمل هوية عميقة وذكريات. لكن المنطق الأخلاقي ينهار كليًّا حين تُزهَق الأرواح جرَّاء ذلك. والحديث السابق ذاته يُثبت أن حياة الإنسان تعلو على أقدس بنيان في الإسلام، فكيف بغيره؟ ويُطبَّق هنا التساؤل القرآني: إن عجز المقدَّس عن حماية نفسه من فيضان أو زلزال أو سارق، فماذا يُخبرنا ذلك عن طبيعة قداسته؟

 

س٦: هل ثمة أرضية مشتركة بين الأديان تُبنى عليها حوارات حقيقية حول المقدسات؟

نعم، وهي أكثر الموارد إهمالًا في الحوار بين الأديان. تكاد كل تقليد كبير يتضمَّن تمييزًا بين الرمز وما يشير إليه. الفيلسوف الهندوسي المتعمِّق يقول إن التمثال نقطة تركيز لا الإله نفسه. ولاهوتي الكاثوليك يُميِّز بين توقير القديسين وعبادة الله. والمسلم يعلم أن الكعبة بيت الله لا الله ذاته. الانطلاق من القناعة المشتركة بأن لا شيء مُقدَّسًا يساوي حياة إنسان هو ربما أقوى نقطة بداية.

 

س٧: ما النموذج الإسلامي للتعايش مع من نرى أن معتقداتهم خاطئة لاهوتيًّا؟

جسَّده النبي ﷺ في المدينة المنورة. أدار مدينةً تضمُّ قبائل يهودية وعرب مشركين ومسلمين في ظل وثيقة واحدة — الصحيفة المدنية — ضمنت الحرية الدينية لكل مجتمع. لا لأن جميع المعتقدات متساوية، بل لأن الإكراه في الاعتقاد يناقض الكرامة الإنسانية. القرآن صريح: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦).

 

جلسة الأسئلة والأجوبة الثانية

“وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً” لاهوت التنوع البشري في القرآن الكريم

 

س١: هل صحيح أن القرآن يقول إن الله كان بمقدوره أن يجعل البشرية كلها على دين واحد لكنه اختار ألا يفعل؟

نعم، والمثير أنه لم يَرِد مرة واحدة بل في سور متعددة، مما يجعله من أكثر الموضوعات تكرارًا في القرآن الكريم. في سورة المائدة (٤٨): ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. وفي النحل (٩٣) والشورى (٨) ويونس (٩٩) وهود (١١٨-١١٩) تتكرر الفكرة ذاتها. والتكرار بحد ذاته دال — فالله ﷻ يريد أن يُفهَم ذلك بوضوح تام.

 

س٢: لماذا يخلق الله التنوع الديني وهو جعل الإسلام الدين الحق الخاتم؟ ألا يبدو ذلك متناقضًا؟

هذا بالضبط السؤال الذي تجيب عنه هذه الآيات. ثمة فرق جوهري بين الإرادة التشريعية — ما يأمر به الله — والإرادة الكونية — ما يأذن بوجوده. يوضح المودودي ذلك ببراعة: لو أراد الله التوحيد القسري لما احتاج إلى أنبياء ولا كتب ولا يوم حساب. بعثة الأنبياء تفترض مسبقًا أن البشر مُنحوا حرية القبول أو الرفض. الإجبار كان سيُفرغ النبوة — والمحاسبة — من معناها.

 

س٣: يقول بعضهم: “إن أذن الله بالاختلاف فكل الطرق صحيحة.” هل هذه قراءة صحيحة؟

هذا سوء فهم يُغلقه القرآن بنفسه. فالآيات ذاتها التي تُقرُّ بالتنوع تنتهي بقوله: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٣). الإذن الإلهي بالاختلاف ليس موافقة إلهية على كل طريق. المعلم الذي يمنح طلابه حرية كتابة إجاباتهم لا يقول إن جميع الإجابات صحيحة — فالتصحيح آتٍ لا محالة. الحرية الممنوحة هي حرية الاختيار لا ضمان الصواب.

 

س٤: فما الغاية من هذا التنوع إذن وفق القرآن؟

سورة المائدة تُعطي الجواب الأوضح: تنوع الشرائع والمجتمعات والمسالك هو ميدان التسابق الأخلاقي. والتعليمة التي تعقب الإقرار بالتنوع ليست “تسامحوا وتصامتوا”، بل: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. لتُقدِّم كل أمة شهادة عقيدتها بأعمالها — في العدل والرحمة والصدق وصون الكرامة الإنسانية. التنوع ليس مشكلة تُحلُّ، بل امتحان يُجتاز.

 

س٥: كيف يُطبَّق هذا المبدأ القرآني على واقع تقاتل الجماعات بسبب الاختلافات الدينية؟

يُطبَّق دحضًا تامًّا لهذا العنف. إن كان الله ﷻ — وهو القادر على الإجبار — لم يُكره أحدًا على دين واحد، فمن أين يستمد أي إنسان حق القسر؟ كل إكراه ديني وكل قتل باسم الاختلاف الديني هو استيلاء على سلطة إلهية أبى الله ﷻ أن يمارسها. إنه ليس خطأً أخلاقيًّا فحسب — بل سُخف لاهوتي: أنت تفعل بالقوة ما اختار الله ألا يفعله.

 

س٦: هل يعني هذا أن الإسلام يُعلِّم النسبية الدينية — أن جميع الأديان صحيحة بالتساوي؟

قطعًا لا، وهذا التمييز جوهري. القرآن يُقرُّ بالتنوع دون أن يُقرَّ النسبية. يقول صراحةً إن الإسلام هو الوحي الخاتم الكامل وأن يوم القيامة سيفصل بين الحق والباطل. لكنه لا يقول إن هذا الفارق يمنح البشر صلاحية فرضه بالسيف. الفصل بين اليقين العقدي والإكراه السياسي مبدأ قرآني لا تنازل ليبرالي حديث.

 

س٧: لمن يُعدُّ لجلسة حوار بين الأديان، ما أقوى نقطة انطلاق من هذه الآيات؟

ابدأ بهذا: “الإله الذي نؤمن به — أقدر موجود في الكون — كانت لديه القدرة على أن يجعل البشرية كلها على دين واحد فاختار ألا يفعل. صمَّم هذا العالم بالتنوع اختبارًا وأمرنا بالتسابق نحو الخير لا بإبادة بعضنا.” هذا يُفنِّد فورًا صورة الإسلام المتعصب، لأن حجة التعايش التعددي لا تصدر من الليبرالية العلمانية بل من القرآن الكريم ذاته.

 

س٨: ما أهم درس من هذه الآيات لمسلم يعيش أقليةً في مجتمع تعددي اليوم؟

هذه الآيات هبةُ ثقة لا مصدر قلق. تقول للمسلم: لا يحتاج دينك إلى احتكار سياسي كي ينمو ويزدهر. يحتاج إلى إثبات — بالأخلاق والعدل والرحمة والصدق. كانت أمة النبي ﷺ أقليةً ضئيلة ثلاثة عشر عامًا في مكة، ونمت لا بالإكراه بل بجودة شهادتها الأخلاقية. هذه الآيات تُشرِّع بالضبط ذلك المسار. وذلك السباق نحو الخيرات، الحمد لله، مفتوح لكل مسلم في كل مكان.

 

ForOneCreator | Islamic Educational Series

Sharing Quran & prophets SA’s teachings