انقلاب الضحية

ForOneCreator

السلسلة التعليمية الإسلامية

انقلاب الضحية

حين يدّعي الأقوياء الاضطهاد

دراسة في ضوء القرآن الكريم والتاريخ والسياسة المعاصرة

 

الإطار القرآني: فرعون — النموذج الأصلي

وثّق الله ﷻ هذا النمط في القرآن بدقة بالغة. فرعون — أقوى رجل في الأرض في زمانه، صاحب الجيوش والكنوز والدعاوى الإلهية — لجأ إلى ورقة ‘الضحية’ في مواجهة رجلين من بني إسرائيل لا يملكان شيئاً من متاع الدنيا.

قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ۝ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ

— الشعراء: ٣٤-٣٥ —

تأمّل في بنية هذا التلاعب:

● موسى عليه السلام لم يكن يملك جيشاً — بينما كان فرعون يمتلك أقوى جيش في العالم القديم

● موسى لم يكن يملك أرضاً — كانت قومه عمالاً من العبيد

● موسى لم يكن يملك سلطة سياسية — وفرعون يزعم أن مصر ملكه بحق إلهي

ومع ذلك قدّم فرعون موسى على أنه التهديد الوجودي للأغلبية. لم يكن هذا وهماً أو ضلالاً — كان مسرحية سياسية مدبّرة بحساب.

 

لماذا يلجأ الأقوياء إلى هذا الأسلوب؟

أولاً: تحويل القلق الاقتصادي إلى تهديد هوياتي

بدلاً من السؤال: ‘لماذا أنتم فقراء في ظل حكمي؟’ — يحوّل الأقوياء الأنظار قائلين: ‘فقركم سببه أولئك الذين وفدوا إلينا.’ فيصبح الأقلية أو المهاجر أو ‘الغريب’ هو التفسير الجاهز لإخفاقات النظام.

ثانياً: تحويل الظالم إلى مظلوم

هذا يحصّن السلطة من المساءلة. وتُصاغ أي انتقاد للحاكم على أنه هجوم على بقاء الأغلبية. ويُعاد تصنيف المعارضة باعتبارها خيانة وطنية.

ثالثاً: صناعة الأزمة عند الطلب

التهديدات الوجودية تستدعي استجابات طارئة — تعليق القانون، وتطبيع القسوة، وإسكات الأصوات المعارضة. والانتخابات هي اللحظة المثلى لاستدعاء هذه الأزمة المُصطنعة.

رابعاً: استغلال المخاوف الفطرية

الخوف من فقدان الوطن والهوية خوف عميق وحقيقي. لا يصنع المحتالون هذا الخوف — بل يحوّلون ما هو كامن في النفس إلى سلاح.

 

لماذا يتصاعد هذا المشهد في زمن الانتخابات؟

لاحظتَ أمراً جوهرياً: هذه الظاهرة تشتدّ في مواسم الانتخابات. وهذا ليس محض مصادفة — إنه منطق هيكلي. فالانتخابات تُجبر الأقوياء على التنافس على الشرعية من أسفل. وحين لا يستطيع الحاكم الفوز بناءً على أدائه — عدلاً واقتصاداً وخدمةً — يلجأ إلى إيقاظ الخوف القبلي.

والحساب بارد صريح: ‘إن لم أستطع إسعادكم، فسأُرعبكم. والأغلبية المرعوبة تصوّت للزعيم القوي الذي يزعم حمايتها من التهديد الذي اختلقته أنا بنفسي.’

 

التشخيص القرآني العميق

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ

— القصص: ٤ —

يكشف القرآن الكريم أن التفرقة والشِّيَع أداةُ الطغيان لا صدفةً ديموغرافية. فالأقوياء هم من يصنعون الفصائل التي يزعمون بعد ذلك الحماية منها.

وجاء الردّ الإلهي على موسى حين واجه أعظم قوة في الأرض بلا سلاح ولا جيش:

لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ

— طه: ٤٦ —

شهادة الله على الظلم المُصطنَع هي في حد ذاتها ضرب من ضروب العدل — فالتاريخ يُسجّل ما تحاول السلطة طمسه.

 

المسؤولية الأخلاقية على الأغلبية

وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ

— طه: ٧٩ —

إن الأغلبية التي تسمح لنفسها بأن تُستخدم سلاحاً بيد الظالم ضد الضعفاء تتحمّل هي الأخرى وزراً أخلاقياً. وهذا مبدأ قرآني ثابت — فالصمت الجماعي أمام الاضطهاد المُخترَع ليس حياداً.

 

خاتمة: سنّة الله في الدورات السياسية

ما رصدناه ليس مجرد نمط سياسي — إنه سنّة من سنن الله: قانون إلهي في كيفية تصرف السلطة حين تفسد وتطغى. لقد خاف الأقوياء دائماً من الضعفاء — لا لأن الضعفاء يهددونهم عسكرياً، بل لأن الحق له ثقل لا تستطيع جيش أن تطمره إلى الأبد.

غرق فرعون. والنمط مستمر. لكن وعد الله مستمر أيضاً:

وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ

— القصص: ٥ —

 

ForOneCreator

جسر بين التراث الإسلامي الكلاسيكي والفهم المعاصر

ForOneCreator | المحتوى التعليمي الإسلامي |

Sharing Quran & prophets SA’s teachings